فخر الدين الرازي
461
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
« الكشاف » : إن السبب فيه أن يعلم أن الوالدات إنما ولدن الأولاد للآباء ، ولذلك ينسبون إليهم لا إلى الأمهات وأنشد للمأمون بن الرشيد : وإنما أمهات الناس أوعية * مستودعات وللآباء أبناء الثاني : أن هذا تنبيه على أن الولد إنما يلتحق بالوالد لكونه مولودا على فراشه على ما قال صلى اللّه عليه وسلّم : « الولد للفراش » فكأنه قال : إذا ولدت المرأة الولد للرجل وعلى فراشه ، وجب عليه رعاية مصالحه ، فهذا تنبيه على أن سبب النسب واللحاق مجرد هذا القدر الثالث : أنه قيل في تفسير قوله : يَا بْنَ أُمَّ [ طه : 94 ] أن المراد منه أن الأم مشفقة على الولد ، فكان الغرض من ذكر الأم تذكير الشفقة ، فكذا هاهنا ذكر الوالد بلفظ المولود له تنبيها على أن هذا الولد إنما ولد لأجل الأب ، فكان نقصه عائدا إليه ، ورعاية مصالحه لازمة له ، كما قيل : كلمة لك ، وكلمة عليك . المسألة الثانية : أنه تعالى كما وصى الأم برعاية جانب الطفل في قوله تعالى : وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ وصى الأب برعاية جانب الأم حتى تكون قادرة على رعاية / مصلحة الطفل فأمره برزقها وكسوتها بالمعروف ، والمعروف في هذا الباب قد يكون محدودا بشرط وعقد ، وقد يكون غير محدود إلا من جهة العرف ، لأنه إذا قام بما يكفيها في طعامها وكسوتها ، فقد استغنى عن تقدير الأجرة ، فإنه إن كان ذلك أقل من قدر الكفاية لحقها من الجوع والعري ، فضررها يتعدى إلى الولد . المسألة الثالثة : أنه تعالى وصى الأم برعاية الطفل أولا ، ثم وصى الأب برعايته ثانيا ، وهذا يدل على أن احتياج الطفل إلى رعاية الأم أشد من احتياجه إلى رعاية الأب ، لأنه ليس بين الطفل وبين رعاية الأم واسطة البتة ، أما رعاية الأب فإنما تصل إلى الطفل بواسطة ، فإنه يستأجر المرأة على إرضاعه وحضانته بالنفقة والكسوة ، وذلك يدل على أن حق الأم أكثر من حق الأب ، والأخبار المطابقة لهذا المعنى كثيرة مشهورة ، ثم قال تعالى : لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها وفيه مسائل : المسألة الأولى : التكليف : الإلزام ، يقال : كلفه الأمر فتكلف وكلف ، وقيل : إن أصله من الكلف ، وهو الأثر على الوجه من السواد ، فمعنى تكلف الأمر اجتهد أن يبين فيه أثره وكلفه ألزمه ما يظهر فيه أثره ، والوسع ما يسع الإنسان فيطيقه أخذه ، من سعة الملك أي العرض ، ولو ضاق لعجز عنه ، والسعة بمنزلة القدرة ، فلهذا قيل : الوسع فوق الطاقة . المسألة الثانية : المراد من الآية أن أب هذا الصبي لا يكلف الإنفاق عليه وعلى أمه ، إلا ما تتسع له قدرته ، لأن الوسع في اللغة ما تتسع له القدرة ، ولا يبلغ استغراقها ، وبين أنه لا يلزم الأب إلا ذلك ، وهو نظير قوله في سورة الطلاق : فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ثم قال : وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى ثم بين في النفقة أنها على قدر إمكان الرجل بقوله : لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ ، وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها [ الطلاق : 6 ، 7 ] . المسألة الثالثة : المعتزلة تمسكوا بهذه الآية على أن اللّه تعالى لا يكلف العباد إلا ما يقدرون عليه ، لأنه أخبر أنه لا يكلف أحدا إلا ما تتسع له قدرته ، والوسع فوق الطاقة ، فإذا لم يكلفه اللّه تعالى ما لا تتسع له قدرته ، فبأن لا يكلفه ما لا قدرة له عليه أولى .